الحماية النظامية لإجازات المتعاقدين بعقود لائحية: قراءة في الأسانيد والتطبيقات القضائية عقود المعلمين نموذجاً

الحماية النظامية لإجازات المتعاقدين بعقود لائحية: قراءة في الأسانيد والتطبيقات القضائية عقود المعلمين نموذجاً



شهدت منظومة الخدمة المدنية تحولاً هيكلياً نحو تنظيم العلاقة الوظيفية في القطاع الحكومي عبر نمط التعاقد اللائحي، وذلك ضمن جهود رفع كفاءة رأس المال البشري وتطوير بيئة العمل. ومع هذا التحول، برزت بعض التساؤلات حول التكييف القانوني لحقوق الموظفين المتعاقدين ومدى استحقاقهم للمزايا والإجازات المكفولة للموظفين المثبتين عن طريق التعيين المباشر. وتأتي هذه المقالة لتسليط الضوء على الأطر النظامية والمبادئ القضائية التي تؤكد مساواة الموظف المتعاقد بزميله المعين في كافة الحقوق والالتزامات الواردة في اللائحة التنفيذية للموارد البشرية.
 

المحور الأول: المفهوم النظامي الشامل للموظف العام

أرست اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية قاعدة تنظيمية جوهرية تقضي بعدم التفرقة بين الموظف المعين والموظف المتعاقد من حيث المفهوم والسريان؛ إذ نصت المادة (1) من اللائحة صراحةً على أن الموظف هو: «كل من يشغل وظيفة مدنية عامة في الدولة أو يمارس مهماتها أياً كانت طبيعة عمله أو اسم وظيفته سواءً كان ذلك عن طريق التعيين أو التعاقد بصفة دائمة أو مؤقتة».
وعليه، فإن وصف "الموظف العام" ينطبق بحكم النظام على المتعاقد بعقد حكومي لائحي بمجرد مباشرته لمهام الوظيفة؛ إذ أيدت المادة (5) هذا الشمول بنصها على سريان أحكام اللائحة التنفيذية للموارد البشرية على جميع الموظفين دون استثناء، ما لم توجد لوائح أو أنظمة خاصة تطبق في حدود ما نصت عليه. وتأصيلاً لمبدأ تدرج القواعد التنظيمية، فإن استثناء أي فئة بموجب "لائحة خاصة" أو "نظام خاص" يقتضي صدوره حصراً من السلطة المختصة بالتنظيم (كصادره بموجب نظام، أو قرار من مجلس الوزراء، أو الجهات المعنية بإصدار القرارات التنظيمية العليا)، ولا تملك الإدارة التابعة أو الشؤون القانونية في أي جهة حكومية استثناء موظفيها أو حرمانهم من حقوقهم اللائحية المكفولة -كالإجازات- بموجب اجتهاد إداري، أو بند في نموذج عقد، أو قرار داخلي أدنى مرتبة نظاماً من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية؛ إذ إن اللوائح الخاصة ذاتها -كلائحة الوظائف التعليمية في مادتها (37)- نصت صراحةً على سريان أحكام نظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية فيما لم يرد فيه نص خاص، مما يجعل الموظف المتعاقد خاضعاً بحكم الأصل لأحكام الإجازات الواردة باللائحة التنفيذية للموارد البشرية.» 
 

المحور الثاني: أحكام الإجازات اللائحية واستحقاق المتعاقدين لها

نظم الباب السادس من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية منظومة الإجازات الحكومية وأقر تنوعها لضمان التوازن بين انتظام السير العام للمرافق الحكومية واحتياجات الموظف. وبناءً على التكييف النظامي للموظف المتعاقد، تثبت له كافة أنواع الإجازات اللائحية المنصوص عليها في المادة (126) وما يليها، ومن أبرزها:
  1. الإجازة الاضطرارية: نصت المادة (140) على جواز تغيب الموظف براتب كامل لأسباب اضطرارية مدة أقصاها خمسة أيام خلال السنة المالية الواحدة لمن لا يتوافر له رصيد إجازة عادية.
  2. الإجازة المرضية: نظمت المادة (141) استحقاق الموظف للإجازات المرضية الممتدة وفق تقارير طبية معتمدة ومدد تتدرج بحسب طبيعة المرض وإصابات العمل.
  3. إجازة مرافقة مريض: أجازت المادة (147) للموظف التمتع برصيده أو الغياب لمرافقة أحد أقاربه لعلاجه في الداخل أو الخارج وفق الشروط الضابطة.
  4. الإجازة الاستثنائية وإجازة أمومة ورعاية المولود: كفلت المادتان (148 و152) منح الإجازات الاستثنائية وإجازات الأمومة ورعاية المولود للموظفات والموظفين وفق الضوابط اللائحية.
كما تنص اللوائح الخاصة -كلائحة الوظائف التعليمية في مادتها (37)- على سريان أحكام نظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية فيما لم يرد فيه نص خاص، مما يجعل الموظف المتعاقد خاضعاً لأحكام الإجازات الواردة باللائحة التنفيذية للموارد البشرية.
 

المحور الثالث: قضاء المحكمة الإدارية العليا وحسم النظام الحاكم للعقد

حسمت المحكمة الإدارية العليا بديوان المظالم الجدل حول طبيعة العقود الحكومية اللائحية والاختصاص القضائي بالنظر في منازعاتها، حيث أرست مبدأً نظامياً حاسماً في أحكامها (ومنها الحكم الصادر في الاعتراض رقم 2595 لعام 1445هـ والاعتراض رقم 12759 لعام 1446هـ).
وتتلخص القواعد القانونية التي استقرت عليها المحكمة العليا فيما يلي:
  • مصدر الصلاحية: الجهة الإدارية تستمد صلاحيتها في التعاقد أساساً من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية، وبالتالي فإن العقد محكوم ببنود هذه اللائحة والنصوص النظامية المرتبطة بها.
  • المرجعية عند عدم النص: ما لم يرد بشأنه نص خاص في نموذج العقد، يُرجع فيه وجوباً إلى النظام الحاكم والأصل، وهو اللائحة التنفيذية للموارد البشرية.
  • عدم إعمال الشرط المخالف للنظام العام: النص في نموذج العقد على الخضوع لنظام العمل أو اختصاص المحاكم العمالية لا أثر له ولا ينقل الاختصاص الولائي؛ لأن الاختصاص الولائي لديوان المظالم يتعلق بالنظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفته.


المحور الرابع: مبدأ عدم تحصن القرارات المخالفة للقواعد التنظيمية العامة

تستند الحماية القضائية لإجازات الموظفين المتعاقدين إلى ما أقرته هيئة التدقيق مجتمعة بديوان المظالم في قرارها رقم (84) لعام 1429هـ (الصادر بتاريخ 12/01/1429هـ) بشأن الاستثناءات الواردة على مبدأ تحصن القرارات الإدارية؛ إذ أرسى القرار مبدأً مفاده أن الموظف يستمد حقه الوظيفي مباشرة من «قاعدة تنظيمية عامة» تنشئ المركز النظامي بنفسها (كاللائحة التنفيذية للموارد البشرية)، ويقتصر دور جهة الإدارة إزاءها على مجرد التنفيذ الإجرائي دون أن تملك سلطة التعديل أو التقييد. وبناءً على هذا المبدأ، فإن امتناع الجهة الحكومية عن تمكين الموظف المتعاقد من إجازاته المكفولة لائحياً يُعد قراراً معيباً لمخالفته الصريحة للقاعدة التنظيمية العامة وتجاوزاً لسلطة الإدارة المقيدة، مما يجعله قراراً لا يكتسب الحصانة القضائية ولا يتحصن بمضي المدة، ويتحتم على الإدارة سحبه وتصحيحه، ويجوز للموظف التظلم منه وطلب إلغائه أمام المحاكم الإدارية بديوان المظالم في أي وقت دون التقيد بميعاد الستين يوماً.

ومن الناحية الإجرائية، فإن امتناع أي جهة حكومية عن تمكين الموظف المتعاقد من تقديم طلبات إجازاته المكفولة نظاماً أو إغلاق النوافذ الإلكترونية المخصصة لها، يُعد في التكييف القانوني قراراً إدارياً سلبياً بموجب الفقرة (ب) من المادة (13) من نظام ديوان المظالم. ويحق للموظف التظلم منه ثم المطالبة بإلغائه أمام المحاكم الإدارية لخلوها من المسوغ النظامي ومخالفته الصريحة لأحكام اللوائح النافذة ومبادئ هيئة التدقيق مجتمعة والمحكمة الإدارية العليا.

إعداد: المستشار القانوني عبدالله الجمعة